صديق الحسيني القنوجي البخاري
70
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال الكلبي : إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبينه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عهد دون أربعة أشهر فتتم له الأربعة ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر اللّه أن يتم له عهده بقوله : فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [ التوبة : 4 ] كما سيأتي ، ورجح هذا ابن جرير وغيره . وعن الزهري قال : نزلت في شوال فهي أربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة ومحرم ، والقول الأول أصوب وعليه الأكثرون ، وفي الباب أقوال . وقيل المقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا ويحتاطوا لأنفسهم ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا الإسلام أو القتل ، فيصير هذا داعيا لهم إلى الدخول في الإسلام ولئلا ينسب المسلمون إلى الغدر ونكث العهد ، وقال ابن الأنباري : التقدير قل لهم فسيحوا ، وليس هذا من باب الأمر بل المقصود منه الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وزوال الخوف يعني سيحوا في الأرض وأنتم آمنون من القتل والقتال . وقد توهم بعضهم إن بعث علي بن أبي طالب بقراءة أول براءة عزل أبي بكر عن الإمارة ، وذلك هل من هذا المتوهم والبحث مستوفى في موطنه . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ليتوب من تاب ، وفي ذلك ضرب من التهديد كأنه قيل افعلوا في هذه المدة كلما أمكنكم من إعداد الآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون اللّه ولا تغتروا بعقد الأمان لكم وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ أي وهو مخزيكم ومذلكم ومهينكم في الدنيا بالقتل والأسر ، وفي الآخرة بالعذاب والنار ، وفي وضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى أن سبب هذا الإخزاء هو الكفر ، ويجوز أن يكون المراد جنس الكافرين فيدخل فيه المخاطبون دخولا أوليا . وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ، ثم أتبعه عليا وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا وحجا فقام علي في أيام التشريق فنادى إن اللّه بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ولا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ، فكان علي ينادي ، فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها « 1 » وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما بألفاظ .
--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الصلاة باب 2 ، 10 ، والحج باب 67 ، والجزية باب 16 ، والمغازي باب 66 ، وتفسير سورة 9 ، باب 2 ، 3 ، ومسلم في الحج حديث 435 ، وأبو داود في المناسك باب 66 ، والترمذي في الحج باب 44 ، وتفسير سورة 9 ، -